في مشهدٍ يُذكّرنا بأولى لحظات البداية، تظهر ساحة المعبد القديم تحت سماءٍ رمادية كأنها تتنفّس حزنًا مُتراكماً من قرونٍ طويلة، وسط هذا الهواء المُثقل بالغبار والذكريات,يَسير عشرات الأشخاص في تسلسلٍ دقيق كأنهم جزءٌ من رقصةٍ مُقدّسة لا تُخطئ خطوةً واحدة. لكن ما إن اقتربنا من التفاصيل حتى انكشفت الحقيقة: هذه ليست مجرد مراسم تقليدية، بل هي مسرحٌ مُعدّ مسبقًا لاختبارٍ أعمق من أي امتحانٍ أكاديمي — إنه اختبار العقل، والولاء، والهوية. في الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني، لم تعد السجادة الحمراء مجرد رمزٍ للشرف، بل أصبحت خيطاً رفيعاً يفصل بين من يملك الشجاعة على أن يمشي عليه بثقة، ومن يترنّح تحت ثقل ما يحمله من أسرار.
الشخصية التي تُشكّل محور المشهد الأول هي ذلك الشاب في الثوب الأبيض المُطرّز بالغيوم الذهبية، الذي يحمل في يده مروحةً بيضاء تشبه جناح الطائر المُتأهب للإقلاع. نظراته لا تُعبّر عن الغرور، بل عن تأملٍ عميق، كأنه يرى ما لا يراه الآخرون. كل حركةٍ له محسوبةٌ بدقة، حتى لمسة إصبعه على حافة المروحة تُوحي بأنه يعرف تمامًا ما سيحدث بعد ثوانٍ. هو ليس مجرد طالبٍ جديد في الأكاديمية، بل هو شخصٌ يحمل في داخِله سؤالاً لم يُطرح بعد: لماذا أنا هنا؟ ولماذا كل هؤلاء ينظرون إليّ وكأنني قد أُعلن عن شيءٍ لم يُكتب بعد؟ هذا التوتر الخفي يُضفي على المشهد طبقاتٍ من الغموض لا تُكتشف إلا عند إعادة المشاهدة — ففي اللقطة الثانية، حين يُوجّه نظرته نحو الدرج العلوي,نلاحظ أن عينيه لم تُحدّق في الشخص المُغطّى بالحرير الأبيض، بل في ظلّه المُمتد على الجدار، وكأنه يقرأ ما كُتب بالظلال قبل أن يُكتب بالحبر.
أما الشخص الذي يرتدي الثوب البنفسجي الداكن مع السِّترة الحمراء المُطرّزة، فهو يمثل الجانب الآخر من العملة: القوة التي لا تحتاج إلى صراخ، بل تُعبّر عن نفسها عبر الهدوء المُخيف. لحظة دخوله إلى الساحة لم تُصاحَب بصوتٍ، بل بانزياحٍ خفيف في توزيع الجموع، كأن الأرض نفسها تُعيد ترتيبها لاستقباله. هذا ليس مجرد تلميذٍ مُميز، بل هو من يحمل في جيبه مفتاحاً لم يُعطَ لأحدٍ بعد. وعندما يُشير إلى أحد المشاركين بعينه، دون أن يُحرّك شفتيه، فإن هذا الإيماءة البسيطة تُثير زلزالاً في صفوف الحاضرين — فبعضهم يُغيّر موضع قدمه، وبعضهم يُخفض رأسه، وبعضهم الآخر يُلقي نظرةً سريعةً نحو الدرج العلوي، وكأن الجميع يعرفون أن هناك «من يراقب»، ولا أحد يجرؤ على أن يُسمّيه باسمه.
اللقطة التي تُغيّر مسار المشهد كله هي تلك التي يظهر فيها الرجل العجوز ذو الشعر الأبيض الطويل، والذي يحمل على رأسه طائرًا أبيض صغيراً كأنه جزءٌ من روحه. لم يدخل من الباب الرئيسي، بل ظهر فجأةً من بين الجموع، وكأنه كان موجوداً منذ البداية، لكن لا أحد لاحظه. هذه الحيلة البصرية ليست عشوائية، بل هي رسالةٌ ضمنية: في الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني، لا يوجد «مُتأخر» أو «مُبكر»، بل هناك من يختار لحظة الظهور بحسب ما تقتضيه الحاجة. وعندما يرفع يده ليُمسك بكتابٍ رفيعٍ مكتوب عليه «قواعد الأكاديمية السرّية»، فإن كل نظرة في الساحة تتجمّد لثانيةٍ واحدة، وكأن الزمن نفسه قد استجاب لأمره. هذا الكتاب ليس مجرد وثيقة، بل هو مفتاحٌ لعالمٍ آخر، عالمٍ حيث الكلمات لها وزنٌ جسدي، والصمت له صوتٌ خفي.
ولا يمكن تجاهل الشخصية النسائية في الثوب الأزرق الفاتح المُطرّز بالفِoenix، فهي تُشكّل التوازن الدقيق بين القوة والهدوء. بينما يتصارع الآخرون بالنظرات والحركة، هي تقف في مكانها دون أن تُحرّك إصبعاً,لكن كل تفصيل في ملابسها — من التاج الفضي إلى حزامها المُرصّع باللؤلؤ — يُخبرنا بأنها ليست هنا كمُراقبة، بل كـ«محكم». وعندما تُلقي نظرةً خاطفةً نحو الدرج العلوي، ثم تُعيد بصرها إلى الأمام ببطء، فإن هذا التحوّل البسيط يُعبّر عن قرارٍ داخليٍّ اتخذته في لحظةٍ واحدة: ستُشارك، لكن ليس بالطريقة التي يتوقعها الآخرون. إنها تعرف أن اللعبة لم تبدأ بعد، وأن أول من يُظهر يده هو أول من يُفقد سلاحه.
التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع العمق الحقيقي في هذا المشهد. مثلًا، عندما يُسقط أحد المشاركين قلمه على السجادة الحمراء، فلا أحد يتحرك لالتقاطه، بل يبقى القلم ملقىً هناك كرمزٍ لـ«الخطأ المسموح به» — لأن الأكاديمية لا تبحث عن الكمال، بل عن من يجرؤ على الاعتراف بالخطأ وتحويله إلى درس. أو عندما يُشير الشاب في الثوب الأبيض إلى الأرض بطرف مروحته، فليس ذلك توجيهاً، بل هو إشارةٌ إلى وجود خطٍ غير مرئي على الأرض، خطٌ يفصل بين «الذين يعرفون» و«الذين يعتقدون أنهم يعرفون». هذه الرموز لا تُشرح بالكلمات، بل تُفهم بالحدس، وهذا بالضبط ما يجعل الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني عملاً لا يُشاهد مرة واحدة، بل يُدرَس كنصٍ أدبي مُصوّر.
والعنصر الأكثر إثارةً هو التناقض بين الهدوء الظاهري والتوتر الداخلي. فالجميع يقفون في ترتيبٍ مثالي، لكن إذا نظرت إلى أيديهم، ستجد أن بعضها مُغلّقةٌ بقوة، وبعضها الآخر يُحرك أصابعه بشكلٍ لا إرادي، وكأن العقل يحاول الهروب من الجسد. حتى ذلك الذي يرتدي الثوب الأزرق الداكن، الذي يبدو في الظاهر هادئاً، فإن عينيه تُظهران ارتباكًا خفيفاً كلما مرّ الشاب الأبيض بجانبه — كأنه يرى في وجهه انعكاساً لشيءٍ فقدانه منذ زمنٍ بعيد. هذا النوع من التفاصيل النفسية هو ما يرفع العمل من مستوى «دراما تاريخية» إلى مستوى «دراسة في علم النفس البشري عبر الزمان».
أما اللحظة التي تُغيّر كل شيء فهي عندما يُفتح الستار الأبيض على الدرج العلوي، ويظهر الشخص المُغطّى بالحرير، ليس ليتحدث، بل ليُطلّ فقط. لا حاجة لكلمات، فوجوده كافٍ لإعادة ترتيب كل التوقعات. هنا، يدرك المشاهد أن ما رآه حتى الآن كان مجرد مقدمة، وأن真正的 قصة ستبدأ عندما يُرفع هذا الستار نهائياً. والسؤال الذي يبقى عالقاً في الهواء: هل هذا الشخص هو المعلم؟ أم هو التلميذ الذي فشل في الاختبار من قبل؟ أم هو شيءٌ آخر تماماً، شيءٌ لم تُدرّسه الأكاديمية أبداً؟
في النهاية، لا يُمكن فصل هذا المشهد عن سياقه الأكبر في الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني. فهو ليس مجرد لقطة افتتاحية,بل هو خريطة طريق للكشف عن هوية الشخصيات، وعن طبيعة النظام الذي يحكم هذه الأكاديمية. كل شخصية هنا تحمل سرّاً، وكل حركةٍ لها معنى، وكل صمتٍ له ثمن. والجميل في هذا العمل أنه لا يُعطيك الإجابات مباشرة، بل يُترك لك حرية التفسير — فهل ترى في الشاب الأبيض مُخلّصاً؟ أم مُدمّراً؟ وهل ترى في العجوز المُسنّ معلماً حكيماً؟ أم مُخططاً لمؤامرةٍ قديمة؟ هذا التعدد في التأويل هو ما يجعل العمل حياً، لا يموت مع كل مشاهدة، بل يولد من جديد في عقل كل من يشاهده.
ولذلك، فإن هذا المشهد ليس نهاية، بل هو بداية حوارٍ طويل بين الإنسان وذاته، وبين القوة والضعف، وبين ما يُقال وما يُخفى. وفي عالمٍ حيث تُكتب القواعد بالدم، وتُنقش القيم بالصمت، فإن أول من يجرؤ على أن يسأل «لماذا؟» هو من سيصبح، في النهاية، الشاب المُدلّل الأول في العالم — ليس لأنه يُفضّل، بل لأنه يفهم.

