في ليلةٍ باردةٍ تُضيءُها أضواءُ الفوانيس المُعلّقة كأنها نجومٌ سقطتْ على الأرض، يبدأ المشهد الأول من الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني بمشهدٍ لا يُنسى: امرأةٌ ترتدي ثوبًا أسودَ مُزيّنًا بالفضة، رأسُها مُكلّلٌ بتاجٍ ذهبيٍّ صغيرٍ, تسيرُ بخطواتٍ حازمةٍ على حجارةِ الشارع المبلّل، وكأنها تحمل في خطواتها وزنَ قرارٍ لا رجعةَ فيه. خلفها، رجلٌ في زيٍّ داكن، شعرُه مربوطٌ في عقدةٍ عاليةٍ مُزيّنةٍ بحلقاتٍ فضية، ينظر إليها بعينين تختلط فيهما التوجّس والولاء. لا يُقال شيءٌ بعد، لكن الصمت هنا أثقلُ من أيّ كلامٍ — فالأجواء تُخبرنا أنّ ما سيحدث ليس مجرد مطاردةٍ، بل هو بدايةُ انكسارٍ في توازنٍ هشّ كان يُحافظ عليه شخصٌ واحدٌ فقط.
ثمّ يظهر الرجل الثالث، الذي يحمل في يده كتابًا سميكًا ومُغلفًا بقماشٍ أحمر، ويرتدي ثوبًا رماديًّا مُطرّزًا بنقوشٍ هندسيةٍ تقليدية، وحزامًا عريضًا عليه نقوشٌ يونانيةٌ غريبةٌ في هذا السياق. وجهُه يعبّر عن ذهولٍ عميقٍ، ثمّ يتحول إلى بكاءٍ مُفاجئٍ، كأنه رأى شيئًا لم يكن يتوقعه أبدًا. لا يُصرخ، بل يُطلق صوتًا خافتًا، كأنه يُناجي ذاته: «كيف؟ كيف حدث هذا؟» — هذه اللحظة، رغم غياب الكلمات الصريحة، هي التي تُحدّد نقطة التحوّل في الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني. فالكتاب الذي يحمله ليس مجرد كتابٍ, بل هو رمزٌ لمعاهدةٍ قديمةٍ، أو ربما رسالةٌ مُؤرّخةٌ من زمنٍ مضى، تُعيد إحياءَ صراعٍ نسيه الجميع.
ومن بين دموعه، يرفع يده، فيظهر حمامٌ أبيضُ صغيرٌ يقف على كفّه، عيناه تلمعان كاللؤلؤ تحت ضوء القمر البارد. الحمام لا يطير فورًا، بل ينظر إليه بثقةٍ غريبة، كأنه يعرفه منذ زمنٍ بعيد. هنا، يدرك المشاهد أنّ هذا الحمام ليس مجرد طائرٍ عابرٍ، بل هو حاملُ رسالةٍ سرّيةٍ، أو ربما روحُ شخصٍ اختفى قبل سنوات. تلك اللحظة، حيث يمسك الرجل بالحمام بينما تتدلى دمعةٌ من خدّه, هي واحدةٌ من أقوى اللقطات النفسية في العمل كله — فهي لا تُظهر الحزن فقط، بل تُظهر الخيانة المُتوقّعة، والوفاء المُستحيل، والذنب الذي لا يُمحى.
ثمّ تبدأ المطاردة. لا تبدأ بصراخٍ ولا بإنذاراتٍ, بل بحركةٍ واحدةٍ مُفاجئة: الرجل في الثوب الأسود يُطلق سهمًا غير مرئيٍّ — أو ربما يُطلق طاقةً خفيةً — فيُثير اهتزازًا في الهواء، فيقفز الشاب في الثوب الأبيض (الذي سيُعرف لاحقًا بأنه البطل الرئيسي) من خلف زاويةٍ مُظلمة، كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ وقتٍ طويل. ثوبُه الأبيض يتطاير مع كل حركةٍ، وحزامُه الأحمر يلمع كأنه جرحٌ مفتوحٌ في وسط الليل. يركض عبر الأسواق المغلقة، يقفز فوق الطاولات الخشبية، يمرّ بجانب عربةٍ تحمل مظلّاتٍ ملونة، وكأنه يلعب لعبةً مع الزمن نفسه. لا يُحاول الهروب، بل يُوجّه مساره نحو مكانٍ محددٍ — وهو ما يُشير إلى أنه ليس ضحيةً، بل هو مُشاركٌ في المخطط منذ البداية.
المشهد يتصاعد حين يقفز على سطح منزلٍ خشبيٍّ، ثمّ يُطلق قفزةً أخرى نحو سطحٍ أعلى، بينما يُلاحقه رجلٌ في لباسٍ أسودَ مُغطّى بالكامل، حتى وجهه مُخفيٌّ خلف قناعٍ ذهبيٍّ مُعقّدِ النقوش، يشبه قناعَ الآلهة القديمة. هذا القناع ليس مجرد زينةٍ، بل هو علامةُ انتماءٍ لفرقةٍ سرّيةٍ لم تُذكر اسمها بعد، لكنها تظهر في كل مشهدٍ كظلٍّ ينمو مع كل لحظةٍ تمرّ. عندما يصل الشاب الأبيض إلى السطح العلوي، يوقفه القناع الذهبي بحركةٍ واحدةٍ، دون أن يُحرّك ساقيه. لا يُستخدم سلاحٌ، بل يكفي أن يرفع يده اليمنى، فيتجمّد الهواء حولهما، وكأن الزمن قد استأذن للحظةٍ واحدةٍ ليسمح لهما بالحديث.
وهنا، تظهر المرأة في الثوب الفضيّ مرةً أخرى، لكن هذه المرة تدخل المشهد من زاويةٍ خلفية، كأنها كانت تراقب كل شيء من البداية. تنظر إلى الشاب الأبيض، ثمّ إلى القناع الذهبي، وعيناها تقولان شيئًا لا يمكن ترجمته بكلمات: «لقد حان الوقت». لا تُحرّك شفتيها، لكنها تُطلق سلسلةً من الإشارات اليدوية السريعة، فتفتح الأرض أمام القناع الذهبي فجأةً، وكأنها كانت مُعدّةً لهذا اليوم منذ سنوات. لا يسقط القناع في فجوةٍ عميقة، بل يهبط ببطءٍ شديدٍ، وكأن الجاذبية نفسها تُعامله باحترامٍ خاصٍّ.
في هذه اللحظة، يظهر عنوان الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني بشكلٍ خفيٍّ في خلفية المشهد: على لوحةٍ خشبيةٍ مُعلّقةٍ بجانب بابٍ قديم، مكتوبٌ بالحبر الأحمر: «من يحمل الحمام الأبيض، يحمل مفتاحَ البداية». هذه الجملة ليست مجرد زينةٍ، بل هي مفتاحُ تفسيرٍ لكل ما سيأتي لاحقًا. فالحمامة البيضاء، التي ظهرت في يد الرجل البكي، هي نفسها التي ستُطلق لاحقًا من سطح المعبد القديم، لتُوصِل رسالةً إلى شخصٍ لم يُظهر بعد، لكنه سيُغيّر مجرى الأحداث تمامًا.
الإضاءة في هذا المشهد تستحق التوقف عندها: لا تستخدم أضواءً صناعيةً مُفرطة، بل تعتمد على انعكاساتِ القمر على الحجارة المبلّلة، وعلى وهجِ الفوانيس المُعلّقة، مما يخلق ظلالًا طويلةً تتحرك كأنها كائناتٌ حية. كل شخصيةٍ لها ظلّها الخاص، ولا يلتقي ظلّ أحدٍ مع الآخر إلا في اللحظات التي تحدث فيها المواجهة المباشرة. هذه التفصيلة البصرية الدقيقة تُظهر مدى اهتمام فريق العمل بـ الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني بالرمزية البصرية، وليس فقط بالحركة والدراما.
أما عن الشخصيات، فكل واحدةٍ منها تحمل تناقضًا داخليًّا واضحًا. الشاب الأبيض، رغم أناقته وثوبه النقي، يحمل في عينيه غضبًا قديمًا، وكأنه يُكافح ضد ذاته أكثر مما يُكافح ضد الآخرين. أما القناع الذهبي، فهو يُظهر تردّدًا لحظيًّا عندما يرى الحمام الأبيض — كأن الذاكرة تعود إليه فجأةً، فيُغمض عينيه للحظةٍ، وكأنه يرى صورةً لطفلٍ يُمسك بنفس الحمام في حديقةٍ مُهجورة. هذه اللحظة القصيرة هي التي تجعلنا نتساءل: هل هو خائنٌ حقًّا؟ أم أنه مُجبرٌ على أداء دورٍ لا يملك خيارًا آخر فيه؟
والمرأة في الثوب الفضيّ، هي الأكثر غموضًا. لا تُظهر عاطفةً واضحةً، لكن حركاتها مُحسوبةٌ بدقةٍ متناهية، كأن كل خطوةٍ تُتخذ بعد ألف حساب. عندما تُطلق الإشارة التي تفتح الأرض، لا تبتسم، ولا تتعجب، بل تُحدّق في الفراغ كما لو كانت ترى شيئًا لا نراه. هذا النوع من التمثيل يُظهر عمقًا نفسيًّا نادرًا في الدراما التاريخية، ويُثبت أن الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني لا يعتمد على الحبكة فقط، بل على بناء شخصياتٍ تعيش داخل المشهد، لا خارجه.
في الختام، لا يمكن فصل المشهد عن سياقه الرمزي: الليل، والماء، والحمامة، والقناع، والكتاب — كلها رموزٌ قديمةٌ تعود إلى ميثولوجيا الشرق الأقصى، وتُستخدم هنا ليس لإظهار “الغرابة”، بل لبناء عالمٍ داخليٍّ متماسك. المشاهد لا يُشاهد مطاردةً، بل يُشارك في طقسٍ قديمٍ يُعاد تأديته كل ليلةٍ، وكل مرةٍ تُكشف فيها قطعةٌ جديدةٌ من اللغز. وهذا بالضبط هو سرّ نجاح الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني: فهو لا يروي قصةً، بل يدعوك لتكون جزءًا من اللغز، لتبحث عن الحمام الأبيض في زوايا ذاكرتك، وتسأل نفسك: لو كنت مكانه، هل كنت ستنظر إلى القناع الذهبي، أم ستُطلق السهم أولًا؟

