في كهفٍ يتنفّس بالظلام المُتَمَلّك، حيث تتدلى الصواعد كالدمعة المُعلّقة قبل أن تسقط، وتنشر الشموع نورها الخافت كأنها تُحاول إخفاء حقيقةٍ لا تُطاق، يبدأ المشهد الأسطوري الذي لم يُكتَب بعد، لكنه يُروى الآن بعينيّ مُشاهدٍ لا يستطيع التحرّك. هذا ليس مجرد مشهد من الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني، بل هو لحظةٌ تُعيد تعريف معنى الولاء، والخيانة، والحبّ الذي يُصبح قاتلاً حين يُقدّم على طبقٍ من حرير أحمر مُلوّثٍ بالدم. لا توجد هنا شخصياتٌ مُجرّدة، بل أشخاصٌ يتنفّسون الألم، ويحملون سكاكينهم كأنها جزءٌ من عظامهم، ويُحدّقون في بعضهم البعض وكأن الزمن قد توقف عند لحظة الـ«ماذا لو؟» التي لم تُطرح بعد.
الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني لا يقدّم لنا بطلًا يُقاوم الشرّ بسيفٍ مُتوهّج، بل يُقدّم لنا رجلًا يحمل سيفه كأنه حملٌ ثقيلٌ على كاهله، بينما يُمسك بيده الأخرى قطعةً من الياسمين المُجفّف، أو ربما هي قطعةٌ من القلب المُمزّق. لاحظوا كيف يدخل إلى الكهف: خطواته ثابتة، لكن عيناه ترتجفان خلف الجفن، وكأنه يُحاول إبعاد صورة ما عن ذاكرته — صورة امرأةٍ ترتدي اللون الأحمر، لا كزيّ زفاف، بل كزيّ شهادة. تلك المرأة، المُلقاة على الفراء، ليست ميتةً تمامًا، بل هي في حالةٍ بين الحياة والموت، كأنها تُراقبه من داخل ضبابٍ داخليّ، وتُسمِعه كلماتٍ لم تُنطق بعد. يُمسك بيدِها ببطء، وكأنه يُحاول استرجاع شيءٍ فقدانه كان متوقعًا، لكنه لم يُصدّقه حتى هذه اللحظة. يضع يده على جبينها، فتُغلق عيناها، لا لأنها فقدت الوعي، بل لأنها ترفض رؤيته وهو يُقرّر مصيرها.
أما那位 المُرتدّة في اللون الأسود والفضيّ، فهي لا تُنظر إليه كعدوّ، بل كشخصٍ يعرفه أكثر مما يعرف نفسه. تُمسك بسيفها بيدٍ ثابتة، لكن نظرتها تُخبرنا بأنها تُفكّر في كل كلمةٍ قالها له ذات يوم، وكل وعدٍ لم يُحقّق، وكل لحظةٍ ظنّت فيها أنه سيختارها على الرغم من كل شيء. إنها لا تُريد قتله، بل تُريد أن يرى ما فعله. تُحدّق فيه وكأنها تقول: «هل تذكّرت؟ هل تذكّرت أنك قلت لي ذات مرة: إذا اضطررتُ لاختيار أحدهما، فسأختاركِ، حتى لو كان العالم كله ضدّي؟» لكنه لم يُجب. لم يُجب لأن الإجابة كانت مكتوبةً على وجه المرأة المُلقاة على الأرض، وعلى دماءٍ تتساقط ببطء من زاوية فمها، كأنها تكتب رسالةً لا تُرسل.
الكهف هنا ليس مكانًا جغرافيًا، بل هو رمزٌ للذاكرة المُغلقة، حيث تُخزن الأسرار تحت طبقاتٍ من الحجر، وتُضيء الشموع فقط ما تريد أن تُظهره. لاحظوا توزيع العناصر: الطاولات المُغطّاة بالقماش الأبيض، والكتب المفتوحة، والزهور المُجفّفة, كلها تُشير إلى مراسمٍ سابقة — ربما زفافٌ مُلغى, أو جنازةٌ مُؤجّلة، أو طقسٌ سريّ لم يُكتمل. والماء في الزاوية، مع الزهور العائمة عليه، ليس مجرد زينة، بل هو انعكاسٌ للروح التي تطفو بين عالمين: عالم الأحياء، وعالم الذين اختاروا أن يموتوا من الداخل قبل أن يموتوا من الخارج.
في لحظةٍ ما، يُمسك الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني بالقلادة المُعلّقة على خصره، تلك التي تُشكّل وجه امرأةٍ صغيرة، ربما هي أخته، أو حبيبته الأولى, أو حتى نفسه في زمنٍ مضى. يُخرجها ببطء، وكأنه يُخرج سرًّا من صندوقٍ مُغلق منذ سنوات. ثم يُلقي بها على الأرض، لا بغضب، بل بخيبة أملٍ هادئة، كأنه يقول: «لم تعد هذه القلادة تحميكِ، لأنني لم أعد قادرًا على حماية أي أحد.» هذه اللحظة هي التي تُغيّر كل شيء. فالمرأة في الأسود لا تتحرك، لكن عيناها تتسعان، وكأنها ترى لأول مرة أن هذا الرجل لم يكن أبدًا كما ظنّت. لم يكن مُدلّلًا من العالم، بل كان مُعذّبًا من داخله، يُحاول الهروب من ذاته عبر التضحية بالآخرين.
ثم تأتي اللقطة التي تُدمّر القلب: يُجلس بجانبها، لا كقاتل، بل كمن يُودّع. يُمسك رأسها بيده، ويُقرّب جبهته من جبينها، وكأنه يُحاول نقل جزءٍ من روحه إليها، كأنه يقول: «إذا مِتّ، فسأكون معكِ في اللحظة نفسها.» لكنها لا تردّ. لا تفتح عينيها. فقط تبتسم ابتسامةً خفيفة، كأنها تعرف شيئًا لا يعرفه هو. وهنا، يبدأ المشهد في التحوّل من دراما إلى غموضٍ عميق. لماذا لم تُقتل؟ لماذا لا تزال تتنفّس؟ هل هي مُصابة بسحرٍ ما؟ أم أن هذا كله جزءٌ من خطةٍ أكبر؟
اللقطات المتتالية تُظهر تعبيرات وجوههم كأنها لوحةٌ زيتية تُرسم أمام أعيننا: كل عبوسة، كل رمشة، كل تنفّس مُتقطّع، هو جزءٌ من سردٍ لا يُروى بالكلمات، بل بالظلال. والضوء، الذي يُركّز على وجوههم واحدًا تلو الآخر، لا يُظهرهم كما هم، بل كما يريدون أن يُرى بعضهم البعض. الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني هنا ليس بطلًا، بل هو شخصٌ يُحاول أن يجد مبررًا لفعله، بينما هي تُعطيه المبرر دون أن تُنطق بكلمة. إنها تُعطيه الفرصة ليختار، لكنها تعرف أنه لن يختارها. لأن اختيارها يعني أن يُلغي كل ما بناه من كبرياءٍ وسلطة.
ثم تظهر اللقطة الأخيرة: صورةٌ قديمة مُعلّقة على الحائط، تُظهر إمبراطورًا يجلس على عرشٍ مُحيطٍ بأبراجٍ مُظلمة، ورجلًا بجانبه يحمل كتابًا. هذه الصورة ليست زينة، بل هي clue — دليلٌ على أن ما يحدث الآن هو نتيجة لقرارٍ اتُخذ قبل عقود. هل كان هذا الرجل في الصورة هو والد الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني؟ أم أنه هو نفسه في زمنٍ آخر؟ لا نعرف، لكننا نشعر أن الكهف ليس أول مكانٍ تحدث فيه هذه المأساة، بل هو حلقةٌ في سلسلةٍ طويلة من الخيانات المُتراكمة.
في النهاية، لا يُقتل أحدٌ في هذا المشهد. لا يُرفع السيف. لا تُسكب الدماء بشكلٍ نهائي. بل يبقى كل شيء مُعلّقًا، كأن الكهف نفسه يُمسك بأنفاسهم، ويُنتظر أن يُطلقها عندما يتخذ القرار الحقيقي. وهذه هي عبقرية الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني: فهي لا تُقدّم إجابات، بل تُطرح أسئلةً تُلاحقك بعد انتهاء المشهد. ما الذي جعله يختارها للسقوط؟ هل كانت هي من خطّطت لهذا؟ أم أن الجميع كانوا أدواتٍ في لعبةٍ أكبر؟ وهل ستستيقظ المرأة في الأحمر، أم أن نومها هو بداية نهايةٍ جديدة؟
الجمهور لا يُشاهد مشهدًا، بل يُشارك في لحظةٍ وجودية، حيث يُجبر كل منّا على أن يسأل نفسه: لو كنت مكانه، ماذا كنت ستفعل؟ هل ستُمسك بالسيف، أم باليد الممدودة؟ هل ستختار السلطة، أم الحبّ الذي لا يُخلّص، بل يُدمّر؟ هذا هو سحر الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني، ليس في الحوارات، بل في الصمت الذي يُговор أكثر من الكلمات. ليس في الحركة، بل في اللحظة التي تتوقف فيها اليد قبل أن تلمس السيف. ليس في الموت، بل في الحياة التي تُصبح أثقل من الموت عندما تُحمل وحدها.

