في مشهدٍ يبدأ بِصورةٍ مُتدرّجةٍ لِبرجٍ خشبيٍّ مُزخرفٍ، تُطلّ أشكاله المُتعددة الطبقات كأنها تُناجِي السحاب، وتنفثُ من بين سقوفها المُحدّبة روحَ التراث القديم، لا كمُجرّد بناءٍ، بل كـ«شهادةٍ حية» على عالمٍ لم يُمحَ من الذاكرة، بل ارتدى ثوبَ الحداثة دون أن يفقد روحَه. هذا ليس مجرد إدخال بصري، بل هو دعوةٌ صامتةٌ للدخول إلى عالمٍ حيث كل حجرٍ له قصة، وكل ظلٍّ يحمل سرًّا. ثم فجأةً، تتحول الكاميرا إلى داخل قاعةٍ مُضيئةٍ بِالشموع، وتظهر شخصيةٌ مُغطّاةٌ بِرداءٍ أسودَ كَالليل، وقناعٌ ذهبيٌّ مُعقّد النقوش يُغطي نصف وجهها، بينما تتدلى قطرة دمٍ صغيرةٍ من زاوية شفتها — ليست جرحًا عابرًا، بل إشارةً إلى أن ما سيحدث ليس مسرحيّةً، بل مواجهةً حقيقيةً مع المصير.
هذا المشهد الأول من «الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني» لا يُقدّم شخصيةً، بل يُقدّم «استراتيجيةً نفسيةً». القناع ليس للإخفاء فقط، بل للتمويه؛ فالعينان المُحدّقتان عبر فتحات القناع تُعبّران عن خليطٍ غريبٍ من الخوف والتحدي، وكأن الشخصية تقول: «أنا هنا، لكنني لستُ من تظنّني». والدم على الشفة؟ ليس دليلًا على الهزيمة، بل على أنّها كانت قريبةً جدًّا من الموت، وعادت… لِتُكمِل المهمة. هذه اللمسة البصرية الصغيرة تُغيّر كل شيء: فهي تحوّل المشاهد من متفرّجٍ إلى مُشاركٍ في لعبةٍ خطيرةٍ لا تُلعب بالسيوف فقط، بل بالنظرات والصمت والتنفّس المُحتبِس.
ثم تظهر الشخصية الثانية،那位 الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني، بِزيٍ أبيضَ نقيٍّ مُطرّزٍ بِأنماطٍ ذهبية خفيفة، وكأنه مُصنوعٌ من ضوء القمر نفسه. حزامه الأحمر يُشكّل خطّاً حادًّا يقطع البياض، كأنه يذكّرنا بأنّ النقاء لا يعني البراءة، بل قد يكون سلاحًا مُموّهًا. شعره الأسود المُربوط بِتاجٍ فضّي مُعقّد يشبه رأس تنينٍ نائم، يُشير إلى أنه ليس مجرد شابٍ جميل، بل وريثٌ لسلالةٍ تحمل في دمائها قوةً قديمةً. وعندما يرفع يده بِحركةٍ بسيطةٍ، كأنه يُوقف الزمن، فإنّ العيون تُركّز على معصميه المُغطّى بالحرير الأحمر، الذي يبدو وكأنه مُلوّنٌ بِدمٍ قديمٍ لم يجفّ بعد. هذه التفاصيل ليست زينةً، بل هي لغةٌ غير مسموعةٍ تُخبرنا: «أنا لستُ من تراه، أنا من تُخفيه القصة».
أما الشخصية الثالثة، فهي تدخل المشهد كأنها ريحٌ باردةٌ تقطع حرارة القاعة. زيّها الأسود الفضّي المُلطّخ بِبقعٍ بيضاء تشبه رذاذ الثلج أو رماد الحروب، يُوحي بأنها لم تُولد في القصور، بل نشأت في ساحاتِ القتال. تاجها الفضّي المُدبّب يشبه أشواكَ الوردة المُحمّلة بالسم، وعندما تبتسم لأول مرة، لا تُظهر أسنانها، بل تُضيء عيناها بِنورٍ خفيّ، كأنها تعرف شيئًا لا يعرفه الآخرون. هذه الابتسامة ليست تعبيرًا عن السرور، بل عن اكتشافٍ: لقد وصلت إلى اللحظة التي خطّطت لها منذ زمنٍ بعيد. وهنا، يبدأ التوتر الحقيقي: فبينما يقف الشاب الأبيض في وسط القاعة، وبينما تُمسك المرأة السوداء بالسيف، ويجلس المُقنّع على الأرض كأنه جثةٌ حيّة، فإنّ الأرضية الخشبية المُغطّاة بِالسجّاد الأحمر تصبح ساحةَ معركةٍ نفسيةٍ، حيث لا يُطلق أحدٌ سهمًا، لكن كل نظرةٍ تُطلق رصاصةً.
في لقطةٍ واسعة، نرى الجثث المُتناثرة على الأرض، بعضها يرتدي أزياءً سوداءً مُماثلةً للمرأة، وبعضها الآخر يحمل سيفًا مُسجّى بجانبه كأنه تركه طوعًا. هذا لا يُشير إلى مذبحةٍ عشوائية، بل إلى «تصفيةٍ منهجية»، حيث كل جثةٍ تمثل خطوةً في خطةٍ أكبر. والغريب أنّ لا أحدٍ يُظهر ذعرًا، بل هناك هدوءٌ غريبٌ، كأن الجميع يعرفون أنّ ما يحدث هو جزءٌ من مسرحيةٍ قديمةٍ تُعاد تمثيلها كلّ مرةٍ بِشخصياتٍ جديدة. حتى الشاب الأبيض، حين يُوجّه نظرته نحو المرأة البيضاء التي تقف بجانبه، لا يُظهر خوفًا، بل استغرابًا خفيفًا، كأنه يقول في قلبه: «لماذا أنتِ هنا؟ ألم تكنِ تعرفين أنّ هذا المكان مُحصّنٌ ضدّ الدخول؟».
وهنا تأتي اللحظة التي تُغيّر مسار القصة: عندما تمدّ يدها البيضاء نحو يده، لا كأنها تطلب المساعدة، بل كأنها تُقدّم له «خيارًا»، خيارًا لا يمكن رفضه. لمسة الأصابع، تلك اللحظة المُعلّقة بين الهواء والجلد، تُصبح أقوى من أي سيفٍ في العالم. لأنّها ليست لمسة حبٍّ، بل لمسة «تفاهمٍ مُميت» — كأنهما يتفقان على أنّ اللعبة ستستمر، لكن القواعد ستتغيّر الآن. والمرأة البيضاء، التي ظهرت في البداية كشخصيةٍ ثانويةٍ، تكشف في تلك اللحظة عن عمقٍ نفسيٍّ هائل: عيناها لا تُنظران إليه كـ«شاب مُدلّل»، بل كـ«خصمٍ يستحقّ الاحترام».
في مشاهد لاحقة، نرى كيف أنّ تعبيرات الوجوه تُشكّل دراماً كاملةً دون كلمةٍ واحدة. الشاب الأبيض يبتسم، لكن ابتسامته لا تصل إلى عينيه، وكأنه يُخفي شيئًا كبيرًا خلف ذلك الابتسام. والمرأة السوداء، حين تُحدّق فيه، تُغيّر نبرة صوتها من الهدوء إلى التحدي، ثم تعود إلى الابتسامة، وكأنها تلعب بِعقله كما تلعب بِسيفها. هذه ليست مواجهةً جسديةً، بل هي «حربُ عيونٍ»، حيث كل وميضٍ في الحدقة يُرسل رسالةً مشفرةً. والمقنّع، الذي ظلّ صامتًا طوال الوقت، يرفع رأسه فجأةً، وينظر إلى الشاب الأبيض بِطريقةٍ تُوحي بأنه يعرف سرًّا لم يُكشف بعد، سرًّا قد يُدمّر كل ما بُني خلال العقود الماضية.
ما يجعل «الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني» مميزًا ليس في الحوارات، بل في «الصمت المُحمّل بالمعنى». فحين تُغمض المرأة البيضاء عينيها لحظةً، لا تفعل ذلك من الإرهاق، بل كأنها تستحضر ذكرى قديمةً، ربما لحظةً كان فيها الشاب الأبيض طفلًا، وهي تحميه من سيفٍ لم يُرفع بعد. هذه اللحظة القصيرة تُضيف بعدًا تاريخيًّا عميقًا، تجعلنا نتساءل: هل هذه المواجهة هي أول مرةٍ يتقابلون فيها؟ أم أنها استمرارٌ لصراعٍ بدأ قبل أن يولدوا؟
والجميل في هذا العمل أنّه لا يُقدّم أبطالًا وأشرارًا، بل يُقدّم «أشخاصًا مُجبرين على ارتداء أدوارٍ». الشاب الأبيض ليس مُدلّلًا لأنه يحبّ الترف، بل لأنه وُلد في مكانٍ حيث الترف هو درعُه الوحيد ضدّ العالم الخارجي. والمرأة السوداء ليست شريرةً لأنها تحمل السيف، بل لأنها تعلمت أنّ الرحمة في هذا العالم هي أسرع طريقٍ إلى الموت. حتى المُقنّع، الذي بدا في البداية كضحيةٍ، يُظهر في لقطةٍ قريبةٍ أنّ عينيه تلمعان بِذكاءٍ لا يُصدق، وكأنه لم يكن مُغلوبًا أبدًا، بل اختار أن يلعب دورَ المُنهزم ليصل إلى هذه اللحظة بالضبط.
في نهاية المشهد، عندما يُ interchange بين لقطات الوجوه الثلاثة — الشاب الأبيض، المرأة البيضاء، والمرأة السوداء — نشعر بأنّ القصة لم تنتهِ، بل بدأت للتو. لأنّ الابتسامة الأخيرة للمرأة السوداء، والنظرة المُتعمّقة للشاب، والتنفّس الهادئ للمرأة البيضاء، كلها إشاراتٌ إلى أنّ ما رأيناه هو лишь «الفصل الأول» من ملحمةٍ أكبر. وعندما تُطفأ الشموع واحدةً تلو الأخرى، وتبقى فقط شمعةٌ واحدةٌ تُضيء وجه الشاب، فإنّنا ندرك أنّ الضوء لا يُظهر الحقيقة، بل يُظهر فقط ما يريد أن يُرى.
هذا هو سحر «الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني»: فهو لا يروي قصةً، بل يفتح بابًا إلى عالمٍ حيث كل تفصيلٍ له وزنه، وكل صمتٍ له صداه، وكل نظرةٍ قد تكون بدايةَ نهايةٍ. لم نشاهد معركةً بالسيوف، بل شاهدنا معركةً بالذكريات، وبالخيانات المُتراكمة، وبالوعود التي لم تُنفّذ. والسؤال الذي يبقى عالقًا في الذهن بعد انتهاء المشهد ليس: «من سيفوز؟»، بل: «هل سيكون هناك فائزٌ أصلًا؟».
في عالمٍ تُحكمه الظلال أكثر من الضوء، يصبح البقاء ليس مسألة قوةٍ، بل مسألة ذكاءٍ في اختيار اللحظة المناسبة للظهور. والشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني، رغم اسمه المُضحك، يُثبت أنّ التدليل قد يكون أخطر سلاحٍ في يد من يعرف كيف يُستخدمه. فهو لا يُدلّل نفسه، بل يُدلّل مصيره، خطوةً بخطوة، حتى يصل إلى اللحظة التي يقرر فيها: هل يبقى مُدلّلًا… أم يصبح مُحرّرًا؟

