في ليلةٍ مُظلمة تُضيءها شموعٌ متفرقة كأنها نجومٌ سقطت على الأرض، تظهر قاعةٌ ضخمة تُحيط بها أسطح معمارية تقليدية ذات سقوف مُحدبة ونوافذ خشبية مزخرفة، وكأنها تُنفخ في روح التاريخ لتُعيد له نَبضه. هذا ليس مجرد مشهد افتتاحي، بل هو إعلانٌ صامت عن عالمٍ مُغلق, حيث لا تُسمح فيه الرياح بالعبور دون إذنٍ من العرش. في الأعلى, يظهر شريطٌ أبيض مُعلّق بين المباني, يحمل كتابةً عربيةً تقول: «دولة الشمال» — ليست دولةً جغرافية, بل حالةٌ نفسية, مكانٌ يُحكمه الخوف من الفراغ, والخوف من أن يُكتشف أن العظمة ليست سوى هراءٍ مُطرّز بذهبياتٍ زائفة.
ثم تنزل الكاميرا إلى القاعة, فتُظهر شخصيةً مركزيةً ترتدي ثوبًا أرجوانيًا غنيًّا بالتطريز الذهبي, يشبه جلد التنين المُحنّط في متحفٍ قديم, مع حزامٍ أسود يُحيط بخصره كأنه قيدٌ لا يُرى. على رأسه تاجٌ مصنوعٌ من ذهبٍ ومعدنٍ مُصمت, يحمل تمثالًا لرأس ذئبٍ أو أسدٍ — لا يُمكن الجزم, لأن التفاصيل تختفي تحت طبقة من الغبار الرمزي. هذا ليس ملكًا, بل هو رجلٌ يلعب دور الملك, ويُدرك ذلك في كل لحظة. يمسك بكوبٍ أخضر فاتح, كأنه يُحاول أن يشرب من كأس البقاء, بينما عيناه تُحدّقان في شيءٍ لا يراه الآخرون: ربما مرآةً داخليةً تُظهر له وجهه الحقيقي, الذي لم يعُد قادرًا على التموّه.
في هذه اللحظة, يظهر النص العربي على الشاشة: «إمبراطور الشمال». لكن الكلمة لا تُثير الهيبة, بل تُثير السؤال: ماذا لو كان الإمبراطور نفسه يشكّ في أن هذا اللقب ليس له؟ ماذا لو كان يعلم أن كل من حوله يُصلي له ليس خوفًا من سلطته, بل خوفًا من أن يُكشف سرّه؟ هنا, يبدأ المشهد الحقيقي: ليس في الحركة, بل في التوقف. الرجل يُمسك بالكوب, ثم يُحرّكه ببطء, وكأنه يُجرّب وزنه, كأنه يسأل: هل هذا الكوب يحتوي شايًا؟ أم سُمًّا؟ أم مجرد ماءٍ باردٍ يُذكّره بأنه لا يزال يتنفّس؟
ثم تظهر امرأةٌ في خلفية المشهد, ترتدي لونًا أزرق-أخضر غامضًا, كأنها ظلٌّ من عالمٍ آخر. شعرها مُنسدل في خصلتين طويلتين, مُزيّن بخيوطٍ من العقيق واللازورد, وتاجٌ أسود يحمل زهرةً ذهبية صغيرة في المنتصف, كأنها نجمةٌ سقطت على جبهتها. عيناها لا تنظران إلى الإمبراطور, بل تنظران إلى الأرض, ثم ترفعان نظرهما ببطء, كأنها تُعيد حساب كل خطوةٍ سبقت هذه اللحظة. هي ليست زوجةً, ولا مستشارةً, بل هي «نورا الأشول» — كما سيُعلن النص لاحقًا — الأميرة الكبرى لدولة الشمال. اسمٌ لا يُشير إلى النسب فقط, بل إلى القدرة على الإضاءة في الظلام, وهي قدرةٌ لم تُمنح لها, بل اغتصبتها من الظلام نفسه.
الإمبراطور يبدأ بالحديث. لا يُصرخ, بل يُهمس بصوتٍ مُرتفعٍ بشكلٍ مُتعمّد, كأنه يُحاكي صوت الطقس قبل العاصفة. يرفع يديه, ثم يُخفضهما, ثم يُعيد رفعهما, وكأنه يُجري طقسًا دينيًا لا يعرفه أحد غيره. من حوله, يركع الرجال واحدًا تلو الآخر, رؤوسهم مُنخفضة, أيديهم مُتشابكة أمام الصدور, كأنهم يُقدّمون أنفسهم كقرابين. لكن الملاحظة الدقيقة: لا أحد منهم يُغمض عينيه. كلهم يراقبونه من تحت جفونهم, كأنهم يحسبون عدد الأنفاس التي يأخذها, ليعرفوا متى سيُطلق الصوت الذي يُغيّر كل شيء.
وهنا, يدخل المشهد إلى قلب التناقض: الإمبراطور يُظهر غضبًا مُبالغًا فيه, يُحرك ذراعيه كأنه يُقاوم قوى خفية, بينما وجهه يُظهر شيئًا آخر تمامًا — خوفًا, بل رعبًا داخليًا. هذا ليس عرضًا للسلطة, بل هو استجداءٌ للسلطة. هو يطلب من الآخرين أن يُصدّقوا أنه ملك, لأنه لم يعد يُصدّق ذلك بنفسه. وفي لحظةٍ, يُوجّه نظرته نحو نورا الأشول, فلا تردّ عليه, بل تُبدي ابتسامةً خفيفة, كأنها تقول: «أعرف سرّك, وأنت تعرف أنني أعرفه». هذه الابتسامة ليست استهزاءً, بل هي تسويةٌ صامتة: أنا لا أريد عرشه, لكنني لا أسمح لك بأن تُدمّر ما تبقى من كرامتي.
الكاميرا تنتقل إلى مشهدٍ آخر, في النهار هذه المرة. شوارع مزدحمة, أكشاكٌ تبيع البرتقال والتمور, وأطفالٌ يركضون بين الأرجل. يظهر شابٌ في ثوبٍ أبيض مُزخرف برسوماتٍ زرقاء تشبه الجبال والطيور, وعلى رأسه تاجٌ ذهبي صغير, كأنه مُصمّم ليُذكره دائمًا بأنه ليس مثل الآخرين. هذا هو «ياسر الحسن, الفارس الغريب» — كما يُعلن النص — شخصيةٌ تبدو وكأنها خرجت من روايةٍ لم تُكتب بعد. يحمل في يده مروحةً بيضاء, لكنه لا يستخدمها للهواء, بل كأداةٍ لقياس المسافات: بينه وبين الناس, وبينه وبين الحقيقة.
يتحدث مع رفيقه, رجلٌ سمينٌ يرتدي ثوبًا أخضر داكنًا, يُظهر تعابير وجهٍ مُبالغة, كأنه ممثلٌ في مسرحيةٍ لا يفهمها. يقول له: «الخصي رشيد, كبير الحجّاب في دولة الضياء». هنا, تظهر أول إشارة إلى أن العالم لا يقتصر على دولة الشمال, بل هناك دولةٌ أخرى, «دولة الضياء», تُحكم بمنطقٍ مختلف, ربما أكثر برودةً, أو أكثر وضوحًا. والخصي رشيد ليس مجرد خادم, بل هو جاسوسٌ مُقنّع, يُراقب كل حركةٍ لـ«ياسر الحسن», لأنه يعرف أن هذا الشاب ليس غريبًا كما يبدو, بل هو «الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني», أي أن قصته بدأت من قبل, وأن ما نراه الآن هو فصلٌ جديد من سلسلةٍ طويلة من التلاعب والاختفاء والظهور.
ياسر الحسن يُخرج من حزامه قطعةً صغيرة من اليشب, مُعلّقة بخيطٍ ذهبي, عليها نقوشٌ غامضة. ينظر إليها بتركيزٍ شديد, وكأنه يقرأ رسالةً من الماضي. ثم يُغلّفها بورقةٍ بيضاء, ويُعطيها لرشيد, الذي يبتسم ابتسامةً لا تصل إلى عينيه. هذه اللحظة هي نقطة التحوّل: لم تعد القصة عن السلطة, بل عن الذاكرة. ما الذي يحمله هذا اليشب؟ هل هو خاتمٌ؟ أم قطعةٌ من خريطةٍ مفقودة؟ أم مجرد ذكرى لشخصٍ مات قبل أن يُخبره بالحقيقة؟
الكاميرا تعود إلى دولة الشمال, حيث يقف الإمبراطور وحيدًا في القاعة, بعد أن رحل الجميع. يُمسك بالكوب الأخضر مرةً أخرى, لكن هذه المرة, لا يفتح الغطاء. ينظر إلى انعكاسه في سطح الكوب, فيرى وجه نورا الأشول بدلًا من وجهه. ثم يُغمض عينيه, ويُهمس: «لقد جئتُ لأخبرك أنني لستُ من أرسلتك». هذه الجملة لا تُقال بصوتٍ عالٍ, بل تُقال في داخله, كأنها رسالةٌ مُوجّهة إلى نفسه, أو إلى شخصٍ لم يظهر بعد. وهنا, يصبح واضحًا: دولة الشمال ليست دولةً, بل هي سجنٌ نفسي, والإمبراطور ليس حاكمًا, بل هو سجينٌ أطول فترةً في هذا السجن.
أما نورا الأشول, فهي تسير في الممرات الجانبية, دون أن تنظر إلى الخدم, بل تنظر إلى الجدران, وكأنها تبحث عن شقوقٍ في الحجر, حيث يمكن أن تمرّ الرسائل. تضع يدها على حزامها, حيث تُخفي سكينًا صغيرًا مصنوعًا من فولاذٍ أسود, لم تستخدمه قط, لكنها تحمله كتذكّر: أن القوة لا تأتي من التاج, بل من القدرة على الاختيار. في لحظةٍ, تُوقفها امرأةٌ أخرى, ترتدي ثوبًا رماديًا بسيطًا, تُقدم لها كوبًا من الماء. تشرب نورا, ثم تُعيد الكوب, وتقول بكل هدوء: «قل له إنني لستُ خائفةً من أن أكون وحيدة. أنا خائفةٌ من أن أكون مُخطئةً في ثقتي به».
هذه الجملة هي جوهر الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني, فهي لا تتحدث عن الحب أو الخيانة, بل عن الثقة المُتآكلة, التي تُصبح أخطر سلاحٍ في عالمٍ لا يؤمن بالصدق. ياسر الحسن, في الشارع, يفتح الورقة البيضاء التي أعطاها لرشيد, فيجد فيها رسمًا بسيطًا لبابٍ مغلق, مع كلمة واحدة: «ال entrance ». لا يفهم المعنى في البداية, لكنه يشعر أن هذا ليس نهاية, بل بداية. لأن الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني لا يُقدّم إجابات, بل يطرح أسئلةٍ تُدمر العقول قبل أن تُغيّرها.
المشهد الأخير: الإمبراطور يقف على شرفة القاعة, ينظر إلى المدينة الممتدة أسفله. القمر يظهر بين السحب, وكأنه عينٌ تراقبه. يرفع يده, ليس في تحيّة, بل في إيماءةٍ تشبه التسليم. ثم يُدير ظهره, ويدخل إلى الغرفة, حيث تنتظره نورا الأشول, واقفةً بجانب الطاولة التي عليها الفواكه والشموع. لا تتحدثان. فقط يتبادلان النظرات, وكأن كل كلمةٍ ستُقال ستُدمّر ما تبقى من هذا العالم الهشّ. في هذه اللحظة, يظهر النص على الشاشة: «الأرض الوسطى, دولة الشمال». لكن هذه المرة, لا تُقرأ كإعلان, بل كتحذير: أن العالم ليس مقسومًا بين شمالٍ وجنوبٍ, بل بين من يُصدّقون الأكاذيب, ومن يختارون أن يعيشوا في الحقيقة, حتى لو كانت مؤلمة.
ما يجعل الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني مميزًا ليس في الحوارات, بل في الصمت بين الكلمات. ليس في الملابس الفاخرة, بل في الطريقة التي يُمسك بها الشخص بكوبه عندما يعلم أن الماء باردٌ جدًّا. ليس في التاج, بل في الطريقة التي يُحاول بها الشخص أن يُحافظ على توازنه عندما يعلم أن الأرض تحته تتحرك. هذه ليست دراما سلطة, بل هي دراما وجود: ماذا لو كنت تعتقد أنك ملك, ثم اكتشفت أنك مجرد شخصٍ يرتدي ثوبًا كبيرًا جدًّا؟
في النهاية, لا يوجد فائز في دولة الشمال. هناك فقط من ينجو, ومن يُدفن تحت طبقاتٍ من الذهب والكذب. وربما, في الحلقة القادمة, سيظهر ياسر الحسن أمام الباب المغلق, وسيفتحه, ليس لأنه يريد أن يدخل, بل لأنه أدرك أن أخطر شيءٍ في الحياة هو أن تظل تعتقد أنك تعرف من أنت.

