في مشهدٍ لا يُنسى من الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني، تُفتح الستارة على ساحة قصرٍ مُزخرفة بسكونٍ مُخيف، كأن الزمن توقف لحظةً واحدة قبل أن ينفجر. رجلٌ في ثوبٍ ذهبي مُطرّز بتنانين تبدو وكأنها تتنفّس تحت ضوء الشمس المائل، يقف وسط الساحة كأنه يحمل على كتفيه ثقل السماء كلها. عيناه ترفعان نحو الأعلى، ليس خشوعًا، بل استغراقًا في حوارٍ صامت مع ذاته — أو ربما مع مصيرٍ لم يُكتب بعد. شاربه المُنتظم، وطربوشه المُزيّن بحَجَرٍ أحمر كالدم الجاف، يُخبراننا أن هذا ليس مجرد حاكم… بل رجلٌ تعلّم أن يُخفي الألم خلف هيبةٍ لا تُقهر. في الخلفية، جرسٌ ضخمٌ من البرونز يُضيء بلمعانٍ داكن، كأنه ينتظر اللحظة التي سيُقرع فيها لإعلان نهاية شيءٍ ما.
ثم تظهر شخصية أخرى، أقرب إلى التمثال من الإنسان: فارسٌ في درعٍ أخضر مُرصّع بالذهب، يحمل سيفًا بيدٍ ثابتة كأنها نحتت من الصخر. عيناه لا تنظران إلى الأرض، ولا إلى الجرحى، بل إلى ذلك الرجل الذهبي — كأنه يقرأ في نظراته ما لا يجرؤ على قوله. هنا، في هذه اللحظة، لا تحتاج إلى كلمات لتعرف أن بينهما قصةً طويلة، مُكتوبة بدمٍ وصمتٍ وقراراتٍ اتخذت في ظلام غرفٍ مغلقة. الفارس لا يحرّك ساقيه، لكن عضلات كتفه تُشير إلى أنه مستعدٌ للانقضاض لو أن كلمة واحدة خرجت من فم ذلك الذهبي. هذا هو جوهر الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني: حيث لا تُقال الحقيقة، بل تُعبّر عنها حركة الإبهام على قبضة السيف، أو انحناءة طفيفة في الرأس عند التحية.
ولكن المفاجأة الحقيقية تأتي عندما تُكشف الكاميرا عن جثةٍ ممددة على الأرض، في وسط الساحة، كأنها قطعة شطرنج أُسقطت عن عمد. شابٌ في ثوبٍ أبيض مُلوّن ببقع دمٍ حمراء زاهية، يرقد بعينين مغلقتين، وشفتين مُتشنّجتين في ابتسامةٍ أشبه بالاستسلام. بجانبه، فتاةٌ في ثوبٍ برتقالي مُطرّز بزهورٍ ذهبية، تُمسك برأسه بين ذراعيها، كأنها تحاول إعادته إلى الحياة بقوة الحب وحدها. لكن عيناها؟ لا تبكيان. بل تحدّقان في الأفق، في اتجاه ذلك الرجل الذهبي, وكأنها تقول بصمت: «أنت تعرف من فعل هذا… ولماذا».
هنا، يبدأ المشهد في التحوّل من مأساة إلى لغز. لماذا لم يُحرّك الحرس ساقيه؟ لماذا يقف الفارس الأخضر دون أن يُطلق صرخة غضب؟ ولماذا يبتسم ذلك الذهبي الآن، بينما يمرّ بجانب الجثة كأنه يمرّ بظلٍ لا يهمّه؟ هذا ليس عصيانًا للمنطق، بل هو لغةٌ أخرى — لغة السلطة التي تُعيد تعريف الواقع حسب رغبتها. في الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني، لا يُقتل المرء لأنه خان، بل لأنه عرف شيئًا لم يكن يجب أن يعرفه. والدم على الأرض ليس دليلًا على العنف، بل هو توقيعٌ على وثيقةٍ لم تُوقّع بعد.
الكاميرا تقترب من وجه الفتاة البرتقالية، وتُظهر تفصيلًا مُذهلًا: خصلة شعرٍ سوداء مُربوطة بخيطٍ ذهبي، وفي داخله، قطعة صغيرة من ورقٍ مطوي. هل هي رسالة؟ أم خريطة؟ أم مجرد ذكرى؟ لا نعرف. لكننا نشعر بأن هذا الخيط هو الخيط الذي سيُفكّ كل العقد في الحلقات القادمة. ثم تنتقل الكاميرا إلى الفارس الأخضر، الذي يُغيّر موضع سيفه ببطء، كأنه يُعدّه لاستخدامٍ آخر غير القتال. ربما ليُفتح به بابًا. أو ليُكتب عليه اسمًا جديدًا.
وفي لقطةٍ واسعة، نرى الساحة بأكملها: جنودٌ في صفوفٍ متوازية، كأنهم جزءٌ من الآلة، لا من المأساة. وخلفهم، بوابة قصرٍ مُزخرفة برموزٍ قديمة، تُشير إلى عائلةٍ حكمت لأجيال، وربما ستُمحى من التاريخ خلال ساعات. الفتاة البرتقالية تنهض ببطء، وتمسح دمعةً واحدة من خدّها — لا لأنها حزينة، بل لأنها قررت أن تصبح أكثر قسوةً من الدم الذي يغطي ثوب الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني.
ثم تأتي اللقطة الأخيرة من المشهد الأول: امرأةٌ في ثوبٍ أسود وأبيض، تمسك بسيفٍ أبيض مُغطّى بطبقة رقيقة من الغبار، تقف أمام جرسٍ ضخمٍ كأنها تنتظر إشارةً من السماء. عيناها لا تنظران إلى الجثة، بل إلى الأفق، حيث تبدأ الشمس بالاختفاء خلف الجبال. هذه المرأة ليست مجرد حارسة… إنها رمزٌ. رمزٌ للانتقام الذي لم يُطلق بعد، أو للحقيقة التي ستُكشف حين يصبح الصمت أثقل من الكلمات.
وبعد انقطاعٍ درامي، تظهر لقطة جوية لمنصة خشبية تطفو على الماء، كأنها جزيرة صغيرة من الخشب والصمت. على المنصة، رجلٌ في ثوبٍ أبيض ناصع,شعره أشيب كأنه عاش ألف عام، يجلس أمام طاولةٍ عليها قطع شطرنج من الحجر. أمامه، شخصٌ في رداءٍ أسود مُغطّى بالكابوس، لا نرى وجهه، لكن يده تتحرك ببطء فوق قطعة شطرنج سوداء، كأنها تختار مصيرًا لا يمكن التراجع عنه. في الزاوية العلوية من الشاشة، تظهر عبارة بالعربية: «بعد سبعة أيام». لا توجد توضيحات. لا توجد مؤثرات صوتية. فقط صوت الماء الذي يلامس الخشب، وكأن الزمن نفسه يتنفّس ببطء.
هذا هو أسلوب الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني: لا يُخبرك بالقصة، بل يُعطيك قطعًا من الزجاج المكسور، ويطلب منك أن تُشكّل منها صورةً كاملة. كل لقطةٍ هي سؤال. كل صمتٍ هو إجابةٌ مُؤجّلة. حتى حركة اليد التي تُمسك بالسيف، أو تُحرّك قطعة الشطرنج, هي جزءٌ من النص الذي يُكتب بالدم والضوء والظل.
في المشهد الداخلي التالي، ندخل غرفةً مُزينة بسجادٍ أزرق مُطرّز بزهورٍ ذهبية، وكأنها خريطة لعالمٍ آخر. على جانبي الغرفة، سريران: في أحدهما فتاةٌ في ثوبٍ أبيض، نائمةً كأنها في غيبوبة. وفي الآخر، شابٌ في ثوبٍ أزرق داكن، يتنفّس ببطء، لكن جبينه مُتعرّق، وكأنه يحلم بحربٍ لا تنتهي. في المنتصف، رجلٌ أشيب يمشي بخطواتٍ بطيئة، يحمل في يده زجاجةً صغيرة من الزجاج الأسود. لا ينظر إلى النائمين. بل ينظر إلى الأرض، وكأنه يحسب خطواته قبل أن يضع قدمه على اللوحة التالية من لعبةٍ لا نراها.
التفاصيل هنا هي التي تُفسد كل التوقعات. مثلاً: على الطاولة بين السريرين، هناك إناءٌ من البرونز مُزخرف برمزٍ يشبه التنين، لكن رأسه مكسور. وفي زاوية الغرفة، كتابٌ مفتوح، صفحاته مكتوبة بحبرٍ أزرق فاتح، لكن الكلمات غير واضحة — كأنها مُمحاة عمداً. هذا ليس عشوائيًا. هذا هو أسلوب الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني: كل عنصر في الإطار له دورٌ في بناء العالم، حتى لو لم يُفهم في اللحظة الأولى.
والآن، لنعود إلى الساحة. الرجل الذهبي يُوجّه كلامه للفارس الأخضر، لكن الكاميرا لا تُظهر شفتيه. نسمع فقط صوتًا خافتًا، كأنه همسٌ يمرّ عبر الهواء قبل أن يذوب. الفارس يُحدّق فيه، ثم يُغمض عينيه لثانيةٍ واحدة — وهي أطول ثانية في المشهد. لأن ما يُقال الآن ليس كلمات، بل هو قرارٌ يُغيّر مسار ثلاث عائلات، وسبعة ممالك، وحياة شخصٍ واحدٍ كان يومًا ما «الشاب المُدلّل الأول في العالم».
ما يجعل هذا الجزء مميزًا هو أنه لا يعتمد على الصدمات البصرية، بل على التوتر النفسي الذي يُبنى لحظةً لحظة. كل نظرة مُتبادلة هي معركة. كل خطوة مُحسوبة هي خيانة محتملة. حتى الرياح التي تُحرّك شعر الفتاة البرتقالية، تبدو وكأنها تهمس بأسماء من سيموتون غدًا.
في النهاية، لا نعرف من قتل الشاب. ولا نعرف لماذا وقفت الفتاة بجانبه دون أن تصرخ. ولا نعرف ما الذي يخبئه الرجل الأشيب في الزجاجة السوداء. لكننا نعرف شيئًا واحدًا: أن هذه ليست نهاية، بل هي البداية. بداية لسلسلة من الأحداث التي ستُعيد تعريف مفهوم الولاء، والحب، والقوة. وربما، في الحلقة القادمة، سنرى ذلك السيف الأبيض يُرفع ليس للقتال، بل لقطع خيطٍ ذهبي — خيطٌ كان يربط بين الماضي والمستقبل، وبين الحب والانتقام.
الشاب المُدلّل الأول في العالم الجزء الثاني ليس مسلسلًا عن الحروب، بل عن الطريقة التي يُصبح بها الإنسان سلاحًا في يد من يملك القصة. وكل شخصٍ في هذا المشهد، سواءً كان نائمًا على الأرض أو واقفًا أمام الجرس، هو جزءٌ من تلك القصة — التي لم تُكتب بعد، لكنها بدأت بالفعل في التكوّن، بين لحظة الصمت، وحركة اليد، ونظرة العين التي لا تُكذب.

